
هل تُعد باكستان لاعبًا جديدًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، أم أن دورها الحالي في التوسط بين إيران والولايات المتحدة يمثل امتدادًا لتاريخ طويل من الانخراط في شؤون المنطقة؟
في الآونة الأخيرة، اتجهت أنظار العالم إلى إسلام آباد، مع سعي كبار المسؤولين الباكستانيين إلى التوسط لإرساء سلام مستدام بين إيران والولايات المتحدة. وقد يبدو للبعض أن دور باكستان كصانعة للسلام يتناقض مع سمعتها الطويلة كدولة واجهت عزلة وانتقادات دولية، كما قد يبدو انخراطها في شؤون الشرق الأوسط أمراً عشوائياً. إلا أن مشاركة باكستان في المنطقة ليست ظاهرة جديدة، بل إن المفاوضات الحالية تمثل أحدث فصول قصة بدأت قبل أكثر من قرن، في عهد الراج البريطاني.
أصبحت ثقافات الخليج وبلاد الشام وجنوب آسيا مترابطة بصورة وثيقة تحت الحكم الاستعماري البريطاني. ففي عام 1913، كانت الإمبراطورية البريطانية أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ، إذ حكمت أكثر من 400 مليون نسمة. وامتدت مستعمراتها من جبال وأودية كولومبيا البريطانية في كندا إلى جزر كيريباتي المرجانية في أوقيانوسيا، وشكلت شبكة معقدة من طرق التجارة والمواقع الاستراتيجية. وكانت شركة المشرق (Levant Company)، التي امتلكت مصانع في أنحاء الدولة العثمانية، وشركة الهند الشرقية، التي اتخذت من أراضي الهند وباكستان وبنغلادش وميانمار الحالية مقراً لها، عنصرين أساسيين، وإن كانا متنافسين، في منظومة الإمبراطورية البريطانية.
بل إن ما يقرب من ثلث شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك قطر وسلطنة عُمان والبحرين واليمن والإمارات العربية المتحدة والكويت، كان يُعد قانونياً جزءاً من الإمبراطورية الهندية البريطانية ويُدار باعتباره كذلك. وكانت القوات الهندية تقوم بدوريات تمتد من عدن إلى الكويت، وحتى عام 1959 كانت الروبية الهندية هي العملة الرسمية في الخليج. ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، كان سلطان عُمان يتحدث اللغة الأردية بطلاقة تفوق العربية. كما أسهمت المبادرات ذات الطابع الجامعة الإسلامية، مثل حركة الخلافة (1919–1924) التي سعى خلالها مسلمو الهند إلى الحفاظ على الخلافة العثمانية، في ترسيخ الروابط الدينية والدبلوماسية المتصورة بين شبه القارة الهندية والشرق الأوسط، وهي روابط ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
وخلال الحرب العالمية الثانية، دفعت بريطانيا بالجيش الهندي إلى الشرق الأوسط لقمع الانتفاضات والدفاع عن القواعد العسكرية ضد القوات المتحالفة مع دول المحور. وأمنت الألوية الهندية موانئ البصرة وبندر شابور، كما لعبت القوات البرية التابعة للراج البريطاني دوراً مهماً في انتصارات الحلفاء في بلاد الشام. فقد أدى تقدم الفرقة الهندية العاشرة للمشاة نحو بغداد إلى طلب الحكومة العراقية وقف إطلاق النار، بينما دعمت اللواء الهندي الخامس للمشاة، بالتعاون مع الكتيبة البنجابية الثالثة، السيطرة على دمشق. وفي إيران، تم نشر الفرقة الهندية الثامنة للمشاة ووحدات بنادق البلوش لتأمين حقل نفط هفت كل ومصافي عبادان.
لكن العلاقة التي أسسها البريطانيون بين باكستان الحالية والشرق الأوسط تجاوزت كثيراً حدود النفوذ الاستعماري. فبعد استقلال باكستان وتقسيم الهند، عاد الجنود المسلمون الذين خدموا في الشرق الأوسط ليؤسسوا الجيش الباكستاني، الذي لا يزال حتى اليوم إحدى أهم مؤسسات الدولة. ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقة بين باكستان والشرق الأوسط من حملات عسكرية مشتركة وإدارة استعمارية موحدة إلى شراكات في التدريب العسكري، وتحالفات دفاعية استراتيجية، واعتماد اقتصادي متبادل، وسياسة توازن براغماتية.
وخلال العقود الماضية، انخرط الجيش الباكستاني بفاعلية في شؤون الشرق الأوسط. وتشير تقارير إلى أن باكستان دربت جيوشاً عربية أكثر من أي دولة أخرى. وبعد الاستقلال، تولت تدريب وتقديم المشورة للقوات الأمنية الناشئة في دول الخليج. كما شاركت في مناورات جوية متعددة الجنسيات، مثل تمرين رماح النصر (Spears of Victory) السنوي، وهو ما أتاح لها أيضاً التدريب في مواجهة معدات عسكرية غربية تستخدمها الهند، مثل مقاتلات رافال الفرنسية، بما يمنحها ميزة استراتيجية.
وشارك أفراد من الجيش الباكستاني في القتال خلال الحربين العربية الإسرائيلية عامي 1967 و1973، كما ساعدوا سلطنة عُمان في القضاء على تمرد ظفار خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وتتمتع باكستان بعلاقة عسكرية عميقة وطويلة الأمد مع المملكة العربية السعودية؛ فقد قاد طيارون باكستانيون طائرات سعودية لصد توغلات يمنية عام 1969، كما تعد باكستان الدولة الوحيدة التي حافظت على وجود عسكري دائم في السعودية منذ ما قبل حرب الخليج الأولى. وتعززت هذه الروابط أكثر مع توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك لعام 2025 بين البلدين.
كما أن انخراط باكستان السياسي مع إيران ليس بالأمر الجديد، إذ لعبت دور الوسيط خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما وفر لها خبرة مؤسسية تستند إليها في دورها الحالي بالوساطة بين طهران وواشنطن.
وتؤدي دول الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج، دوراً محورياً في الاقتصاد الباكستاني. فقد قدمت المملكة العربية السعودية وحدها مليارات الدولارات لمساعدة باكستان على الوفاء بالتزامات خدمة ديونها. كما يعيش ويعمل ملايين الباكستانيين في دول الخليج، وتشكل تحويلاتهم المالية شريان حياة لآلاف الأسر والشركات.
ورغم هذه العلاقة الوثيقة مع السعودية، سعت باكستان في الوقت نفسه إلى إحياء مشاريع خطوط أنابيب النفط والغاز مع إيران لمعالجة أزمة الطاقة الداخلية. وبذلك حافظت على علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع قوى إقليمية متنافسة، ساعية إلى تحقيق مصالحها الخاصة، بينما تسير بحذر وسط التعقيدات الإقليمية في الشرق الأوسط، في توازن براغماتي لكنه لا يخلو من المخاطر.
وفي المحصلة، ليست باكستان لاعباً جديداً في الشرق الأوسط. بل إن دورها الحالي كوسيط بين إيران والولايات المتحدة هو امتداد لعلاقات تجارية وعسكرية طويلة الجذور، تعود إلى حقبة الإدارة الاستعمارية البريطانية. وداخل هذا الفضاء المشترك تدور منافسات جيوسياسية حقيقية ذات تداعيات كبيرة، ليس فقط بين دول الشرق الأوسط، بل أيضاً بين حلفائها الغربيين ووكلائهم.
وقد نجحت باكستان حتى الآن في إدارة لعبة استراتيجية على أكثر من جبهة. ومع استمرار تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتزايد التساؤلات حول دور الولايات المتحدة في المنطقة، سيكون من المثير للاهتمام متابعة كيفية استثمار إسلام آباد لهذا الدور الدبلوماسي الجديد، وما إذا كانت ستتمكن من سد جزء من الفراغ الجيوسياسي العسكري والدبلوماسي المحتمل في المنطقة.
إلى اللقاء في المقال القادم،
زارا
المصادر:
- https://www.bbc.com/news/articles/cgq3wlp22j9o
- https://www.middleeasteye.net/discover/shattered-lands-how-doha-and-dubai-nearly-joi ned-india-or-pakistan-1947
- https://gulfif.org/the-evolving-nature-of-pakistans-defence-cooperation-with-the-arab-gu lf-states/
- https://www.pgurus.com/the-architecture-of-security-secondment-pakistans-military-dep loyments-and-private-contracting-in-saudi-arabia-qatar-and-the-uae/
- https://www.newarab.com/news/why-did-pakistan-deploy-soldiers-fighter-jets-saudi-ara bia
- https://wp.towson.edu/iajournaldev/2017/05/03/pakistan-in-the-middle-east-a-policy-of pragmatism/
- https://www.muslimwarmemorial.org/education/the-role-of-muslims-in-ww2/
- https://warfarehistorynetwork.com/article/fighting-world-war-ii-in-the-middle-east/
- https://encyclopedia.1914-1918-online.net/article/khilafat-movement/
- https://www.politico.eu/article/us-iran-delegations-pakistan-peace-talks-amid-fragile-cea sefire/


